يوميات لا تهم أحدا (1)

كتبها* فـنـجـان شـاي * ، في 11 يوليو 2007 الساعة: 16:30 م

السبت

أول الأسبوع، يوم ثقيل على نفوس الكثيرين، خصوصا الذين يملؤون عطلة نهاية الأسبوع بالطول والعرض، فيتمنى لو لم ينته من مسرات النفس ومباهج الحياة التي انشغل بها خلال استراحته الأسبوعية حتى لا يعود بسرعة إلى العمل وارتباطاته ومنغصاته، أو على الأقل يؤجلها إذا كان ممكنا. أما الذين يتسرب الملل إلى أوقاتهم آناء الليل وأطراف النهار وطوال أيام الأسبوع، حتى نهاية الأسبوع لا يدرون ماذا يفعلون فيها، فهؤلاء يستعجلون السبت قبل الجمعة لتبديد الملل. ومنهم من لا يجد أي فرق، كله ملل في ملل، في البيت أو المكتب أو أي مكان آخر.

الأحد

من ناحيتي، لا أجد مشكلة كبيرة، وميلي للعودة إلى العمل مطلع الأسبوع سببه أنني كيفت نفسي بجعل مكتبي وبيئة عملي الصغيرة المحيطة بي محببة إلى النفس قدر الإمكان، مهما كانت ضغوط العمل. فاللمسات الشخصية حولي تبدد أي انزعاج محتمل، فعلى سطح المكتب أدوات (ساعة رقمية وعلبة خشبية بداخلها قلم وفتاحة رسائل وبطاقات) تلائم ذوقي جاءتني هدية وتركتها في دولاب المكتب شهورا حتى تذكرتها ذات مرة حين نظمت أوراقي وملفاتي. وبجانب هذه الأدوات إطار صغير بداخله لوحة - بحجم بطاقة بريدية - مرسومة بألوان مائية هادئة لمكان أنيس زرته ذات يوم. وفي مرمى النظر أمامي وكذلك في الركن القريب مني نباتات زينة خضراء. وهناك كتب لا علاقة مباشرة لها بالعمل ولكني أبقيتها بالمكتب ورصصتها بشكل عمودي بجانب الملفات والتقارير المجلدة المصفوفة التي يوحي منظرها وحدها بأنها جزء من إرشيف ملفات مستشفى، أي شكل ممل، فوضعت الكتب ذات التجليد العصري والألوان المتعددة للحد من رتابة المنظر. الشيء الوحيد الذي وجدت صعوبة في السيطرة عليه كومة الصحف اليومية والمجلات المتخصصة والمطبوعات التي ما إن أزيلها بعد تصفحها، أو حتى أحيانا دون تصفح، حتى تعود للتراكم من جديد.

المهم، ليس في ترتيب المكتب أو ديكوره أي مبالغة، كل ما في الأمر بعض اللمسات (والحركات) لإضفاء الطابع الشخصي المحبب للنفس على المكان حتى يأنس المرء بالعودة إليه، والشوق له أحيانا. أقول دون مبالغة، لأن بعضهم يحول مكتبه إلى قطعة من البيت، باللمسات الشخصية الزائدة عن الحد أو حتى اللمسات العائلية التي لا يقبلها الذوق العام. حين تدخل مكاتب بعضهم تظن أنك دخلت خطأً إلى صالون بيته، فالأثاث والسجاد والزينة كلها لا يوحي بأنك في مكان عمل، وتشعر بأن صاحب المكتب لم يأت إليه لإنجاز الأعمال وإنما لملء فراغ المكتب فقط أو لاستقبال الضيوف والأصدقاء.

الاثنين

مكالمة تأتيني ويطلب مني صاحبها الانتظار على الخط لأن أمامه شخص لم ينته من الحديث معه. عجيب! أليس هو المتصل؟ كيف يطلب مني الانتظار وهو صاحب الحاجة، بينما أنا أنتظره دون أن يفكر أو يقدر الوقت الذي استقبل فيه مكالمته، فقد يكون معي زميل قطع هو مناقشتنا دون استئذان، أو أكون منهمكا في كتابة تقرير أو مراجعة موضوع. قليل من الذوق يكفي.

الثلاثاء

يدخل علي شخص فجأة، دون سابق موعد ولا إشعار، قد يكون مندوب مبيعات (تأمين صحي أو بطاقات ائتمانية أو سيارة بالتقسيط..) وقد يكون تائها ضل طريقه، أو صاحب استفسار، أو قاصدا إياي لأمر. هنا أعطيه مجالا وأستقبله برحابة صدر إذا كان في وقتي متسع لأعرف على الأقل ماذا يريد، ثم أتعامل معه حسب حاجته (لا أحب استقبال مندوبي المبيعات بالمكتب لأن معظمهم مزعجون حتى لو كانوا مؤدبين، ثم مكتبي ليس مكانا لتنشيط مبيعات الآخرين). وإذا جاءني أحد وأنا مشغول فالحركة الطبيعية عندي ألا أجلس وأظل واقفا ونحن نتكلم حتى يشعر بنفسه أنني مشغول فينصرف أو يطلب موعدا للعودة في ما بعد. وإذا كان الزائر لحوحا أو لجوجا (سبحان الله. الكلمات المزعجة تشبه بعضها بعضا حتى في الشكل وليس المعنى فقط!) سيطلب مني بعض الوقت حتى لو أظهرت له بلطف ما يدل على انشغالي.

الأربعاء

آه! نهاية أسبوع عمل، بمعنى صرت قاب قوسين أو أدنى من عطلة نهاية الأسبوع. سأكون أكثر سعادة بهذا اليوم لو كان الأسبوع مشحونا، ويظل الأمر عاديا نوعا ما إذا كان أسبوعا هادئا أو قليل الضغوط. وبعض العاملين يؤجل سعادته هذه إلى الغد لأن دوام عمله حتى الخميس. بالنسبة لي، الإدارة العليا عندنا أسبغ الله عليها شيئا من العطف فأعفينا من دوام الخميس بمناسبة حلول الصيف وتباطؤ وتيرة العمل.

الخميس

يوم صراع غير معلن بيني وبين الأولاد، هم طبعا يريدون الخروج من البيت للتنزه (أين نتنزه في هذا الحر اللافح؟ أو لتمضية الوقت في الأسواق والمطاعم وملاعب الأطفال - والكبار في بعض الأماكن. وأنا أفضل البقاء بالبيت لمشاهدة بعض برامج التلفزيون المفضلة التي لا يسعفني الوقت لمتابعتها أيام ألعمل، أو لقراءة الصحف والمجلات التي لا أجد لها وقتا إلا في الويك أند. أما الكتب - آه من الكتب - فكم أظلمها وأظلم نفسي بعدم الاقتراب منها إلا قليلا، مع أن هذا الجفاء غير مرغوب وغير مقصود، لكني أحس أن قراءة الكتب تتطلب تركيزا أفتقده كثيرا. لكن أمسيات أيام العمل في الصيف مناسبة للقراءة لقلة ارتباطات العمل والنشاطات الاجتماعية المسائية فضلا عن نهايات الأسبوع الصيفية. أمامي فرصة لإزالة هذا الجفاء!

الجمعة

الكتابة والتدوين عندي ليس مشكلة، فهما بالنسبة لي كالسلام والكلام وتناول الطعام. ولكن أحتاج لوقت لممارسته/ها. فكرت في كتابة يوميات كهذه منذ بداية إنشاء هذه المدونة، وأشرت إليها في قائمة الموضوعات التي نشرتها في الأيام الأولى من عمرها. صحيح أنني أفرغت الآن بعضا مما يجول في ذهني في هذه المساحة، وربما أظهرتها بشكل يوميات فعلا (منسوبة إلى أيام الأسبوع) لكني غير راض عما كتبته هذه المرة، ربما لسرعة الكتابة وعدم التدقيق في الأفكار. جميل أن يكتب المرء على سجيته، ولكن الأجمل أن ترتقي الكتابة لمستوى الطموح. ربما أسهبت هذه المرة في شيء من آداب العمل وبيئة العمل لأن ما يُكتب فيها قليل، وما نحتاجه منها في واقع الحياة كثير.

اليوم الثامن

هي - كما عنونتُ - يوميات لا تهم أحدا، فإذا وصلتَ لهذا السطر ببصرك، وبذهنك على ما آمل، ووجدتها لا تهم أحدا بالفعل، بمن فيهم أنت، فأنت في حل من العودة إليها لأني أفكر في كتابة يوميات أخرى في قادم الأسابيع والشهور.

نهاية أسبوع سعيدة، يوم عمل سعيد، سهرة سعيدة، إجازة سعيدة (حسب وقت قراءتك).

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : يوميات غير يومية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

12 تعليق على “يوميات لا تهم أحدا (1)”

  1. كيف لا تكون لا تهم أحدا .. و هي تشبه يوميات الكثير ؟؟ ..

    أحيانا نضيق ذرعا بالأيام .. و أحيانا تضيق هي ذرعا بنا ! ..

    بعمقها (نداء) و ليتنا نجيبه ! .

    شكرا للإمتاع .

  2. أهلا بريم

    اليوميات، أيا كانت وأيا كان كاتبها، لا تعكس إلا جانبا يسيرا من الأيام، فهي مسرح عريض وأحيانا عميق نعيش فيه، نعلو خشبته ونهبط منها، نضحك فيه يوما ونبكي آخر، نتبادل فيه الأدوار ونراوح فيه بين أمام الكواليس وخلفها ومقاعد المتفرجين، نمثل فيه يوما ويمثل الآخرون علينا فيه يوما آخر.. وهكذا.

    وشكرا لإمتاعي أيضا بتعليقك.

  3. السلام عليكم

    مدونتك جدا جميلة حبيت أقرأ كل شي إنت كاتبة

    أتمنى لك التقدم

    أتقبل تحيتي

    أتمنى أتزور مدونتي فذلك يشرفني ويسعدني

  4. مرحبا أماني

    وعليكم السلام.

    اهتمامك محل تقديري واعتزازي. ومدونتك زرتها حتى قبل أن تطلبي مني ذلك وسررت بما وجدته فيها. وأعدك بمتابعة كتاباتك.

    نلتقي على خير.

  5. دخلت للتحية و السلام ……

    تمنياتي لك بالتوفيق ….

    سأعود و أقرأ إبداعات جديدة منك ،،،

    سلام …

    رؤى

  6. مـــبـــدع

    بمعنى الكلمة

    كلماتك جميله ومرتبه جدا

    أهنئك على هذا الابداع والذوق الادبي الرفيع

    وأتمنى لك مزيدا من التقدم والنجاح

    وفقك الله لكل خير

  7. أهلين رؤى

    أشكر لك تواصلك. وجديدي نشرته بعد مرورك هذه المرة. أرجو أن تجدي الفرصة لقراءته قريبا.

    إلى الملتقى.

  8. مرحبا سومة

    أرجو أن أستحق إطراءك الذي يعكس إحساسك العالي.

    وليس بوسعي سوى الرد: جزاك الله خيرا، وأدعو لك بالمثل.

  9. فنجان شاي

    كان مرورك بمدونتي عطاء سخي جداً منحني فرصة ندية سرني تلقفها والزهو بها

    زيارة أولى سريعة أعدك أن يليها قدوم آخر أكثر ثباتاً ,,

    ما زلت قيد الدهشة فاعذرني

    عبير ,,

  10. أهلا عبير

    أعيد هنا ما كتبته في مدونتك المسماة “طبشورة”: ” كتابة بالطبشورة؟! قد لا تدوم على السبورة طويلا، ولكنها سترسخ في الذاكرة كثيرا.”

    لست أدري إن كنتِ كاتبة متمرسة أم مبتدئة؛ فإن كنتِ الأولى فحرام أن تكتبي باسم مستعار، وإن كنتِ الثانية فأنت موهبة أدبية حقيقية، ونتاج هذه الموهبة يمكن أن يسعه ما هو أكثر من مجرد مدونة.

    تهانينا !

  11. فنجان شايــ

    منذ دخولي هنا لاحظت عنوانك المختوم بــ (2)

    فنزلت باحثاً عن (1) وها قد وجدته حتى وإن كان قديما بعض الشيء

    أحب ترتيب الأمور…لذا سأبدأ هنا…لأكمل مسيرتي هناكــ

    ::

    عزيزي

    وصفكــ كان فلماً مصوراً عن يومـــك…

    أعني أنك مبدع بوصف الأمور والأشكال خصوصاً

    فكأنني رأيت مكتبكــ الذي وصفته بيومكـ الثانيـ (الأحد)

    أحييك على هذا الـــفن

    ::

    وأقصر سطور أيامك هو أكثرهم غــصة

    (الإثنين) يالهذا التصرف..أين اللباقه؟

    بصراحة أعتقد أن بالك طويــل جدا كما يقال للصبورين

    ::

    أعلم أنني أطيل ولكن دعني أكمل باختصار :)

    لقد ذكرت نقطه مهمه قد تستحق موضوع خاص بها

    وهي مزاجية رب الأسره …ومزاجية الأسره

    كم من تصادم يحدث بينهما بسبب ضغوط العمل

    ففعلا تكون بحاجة ماسه للهدوء ومشاهدة التلفاز والسكينه دون تشويش الخروج

    وبنفس الوقت تكون أسرتك بحاجة ماسه لهذا التشويش!!

    من يتنازل لمن!! أعانك الله

    ::

    أخيرا

    صدقني انني وصلت للنهاية بذهنــي واعجابي الذي بدأ بالعنوان وانتهى بالنقطه.

    مبدع وصفا وطرحا … لي عودة للرقــم (2) ان شاء الله

  12. مرحبا سعودي رايق

    شكرا على اهتمامك بالتفاصيل. وليس مهما عندي أن يطيل القارئ أو يختصر، فالتعليق مجاله، له أن يكتب ما يشاء كما يحلو له، إن شاء قصر وإن شاء أطال. ومن جلس ليكتب ويقرأ فهو مهيأ لكل الاحتمالات.

    كأنك اختصرت تعليقك خشية الإطالة لأن وقفاتك كانت منتقاة، ولأنها تعليقات مفيدة وممتعة كنت متشوقا للمزيد منك.

    أعتز بك صديقا دائما.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر