المنعطف الأخير!

كتبها* فـنـجـان شـاي * ، في 14 مايو 2009 الساعة: 22:18 م

المنعطف الأخير.. الفرصة الأخيرة..

 

قبل المنعطف..

تحية خاصة لمن لم يبعده جميل وفائه، رغم الجفاء، وحسن تواصله، رغم الانقطاع، عن التردد على هذا المكان رغم سوء التهوية فيه لانغلاق النوافذ عن عالم التدوين، ورغم الغبار الكثيف الذي علاه على مر خمسة شهور عجاف كادت في بعض الأحيان أن تصل لحد اليباب والجفاف!

وتحية عامة لكل من عرف قديما وحديثا، سابقا ولاحقا، طعم "فنجان شاي" وتذوقه أو استذوقه وطاب له أن يرشف المزيد من الشاي.. ويشارك صاحب هذا المقهى الصغير ورواده الأوفياء والأعزاء شيئا من فنون القراءة والكتابة والكلام والتفكير.

كل الاعتذار.. كل الأشواق.. كل الترحاب!

والآن، لينتصر وفاؤكم على جفائي، وليغلب إقبالكم على إدباري، ووصلكم وتواصلكم على انقطاعي، ولنكمل المشوار .. مع المنعطف الأخير.. ليس معكم ولا مع التدوين.. ولكن مع الموضوع الذي اخترت أن يكون هذا عنوانه.

 
 المنعطف الأخير!

 هذا كلام حول المفهوم، وليس كلاما في المرور ولا نظامه ولا إرشاداته ولا مشكلاته. وآمل أن تكون فيه مقاربة لـ "فن التفكير".

  المنعطف الأخير.. أو بداية النهاية !

 في صغري كنت أتابع سباقات الخيل التي ينقلها التلفزيون في نهاية كل أسبوع. هذه المتابعة حببنتي في الخيل، لكن هذا لم يوصلني إلى عشق الخيل. وفي حدود هذه الهواية اقتربتُ من ميدان الخيل بل دخلت - قاصدا - نطاقه مرتين. الأولى لحضور الحفل الختامي لسباق الفروسية على كأس جلالة الملك بصفتي صحافيا، وكان مصدر سعادة بالغة أن أكون جالسا في الصفوف الخلفية للمقصورة الملكية التي يجلس فيها من هُم هُم! والثانية زيارة إسطبلات نادي الفروسية لإجراء استطلاع صحافي.

 هذه الأيام تشدني الخيل إذا ما وقع ناظري على صور جميلة لها، أو مشاهد تلفزيونية عنها، أو موضوعات مكتوبة عنها. لكن من ضمن ما تبقى من تلك الأيام الخوالي التي شهدت متابعاتي لسباقات الفروسية كلمتا "المنعطف الأخير". ولكم أن تستغربوا ما شئتم !

 حدث أن كان من بين ما شدني لسباق الخيل الأسبوعي صوت المذيع الداخلي لنادي الفروسية الذي عادة ما يُفسَحُ له المجال للوصف والتعليق الفني، وهذا غير تقديم وتعليق المذيع التلفزيوني الذي يخاطب المشاهدين في بداية النقل الحي للسباق وفي نهايته.

 كان صوت المذيع المتخصص رخيما ورجوليا، وأذكر أن اسمه ياسين (يُكتب أحيانا يس – ولا أدري أيهما أصح)، وكان أسلوبه في "فن الكلام" يشد صبيا في مثل سني، في زمن بريء لونه أبيض وأسود. ويطل هذا الصبي على العالم من حوله من خلال شاشة تلفزيون محلي أبيض وأسود، وصحيفة يومية واحدة يحضرها له أبوه من مكتبه، والصحيفة أيضا بالأبيض والأسود إذ لا صور ملونة ولا إعلانات زاهية. ويضاف إليها أحيانا المذياع الذي يستمع إليه من آن لآخر، حتى صوت المذياع كان هو الآخر أبيض وأسود!

 طيب، ما حكاية "المنعطف الأخير"؟

 وضعتكم في الجو العام، أو الخاص، الذي التصقت فيه هذه العبارة بذهن الصبي، وليس بسمعه فقط، لأسابيع متتالية أثناء بث سباق الخيل وعلى مدى سنوات. وظهر صدى هذه العبارة بعد مرور عدد من السنين، بل بعد أكثر من عقدين، بعد أصبح ذلك الصبي إداريا تنفيذيا - بيروقراطيا أحيانا ! - يستوحي مفهومه الخاص لتلك العبارة وهو يخوض في ممارساته الإدارية وحياته العملية.

 ومن يعرف منكم سباقات الخيل يدرك أن الإثارة كل الإثارة في السباق المحموم بين الصافنات الجياد باتجاه خط النهاية بينما يبذل ساسة الخيول وهم على صهواتها كل ما أوتوا من جهد ومهارة وتوازن للظفر بالفوز، والفوز في سباق الخيل يعني وجود متصدر أول واحد فقط. وهذا السباق مثل أي رياضة فردية، كرياضات الجري وألعاب القوى، ليس فيها تعادل، إما فوز وإما غير الفوز، بعكس الألعاب الرياضية الجماعية التي يحتمل فيها الفوز أو التعادل.


كان الصبي يشده السباق وتأخذه المتابعة إلى تذكر أدق التفاصيل، كأسماء الخيول بل وأسماء ملاكها وتاريخ الخيول الشهيرة مع البطولات. كل ذلك من خلال صوت ياسين المذيع.

 ومع أن الإثارة عادة ما تبلغ ذروتها مع تقدم الخيول المتنافسة حين تسابق بعضها بعضا على نحو محموم وهي تقترب من خط النهاية، إلا أن الانتباه عند الصبي يشتد والإثارة تبدأ في الإثارة في كل جولة سباق مع تصاعد نبرة الصوت الياسيني وهو يقول: ها هي الخيول تقترب من المنعطف الأخير!


والمنعطف الأخير في قاموس سباقات الخيل يعني دخول المرحلة الأخيرة من السباق واشتداد العزم لأقصى درجة، لأن الخط المستقيم الذي يلي مباشرةً المنعطف الأخير هو الذي يؤدي بالجياد المتنافسة إلى خط النهاية على مضمار السباق الذي يكون مستطيلا في الوسط ونصف دائري من الجانبين. وبعبارة أخرى، المنعطف الأخير هو بداية اللحظة الحاسمة التي لا تزيد مدتها على ثوانٍ معدودة يُتوّج في نهايتها بالفوز أو يُمنى بالهزيمة!

 

 

 

 "ها هي الخيول تقترب من المنعطف الأخير!"

 يا له من تعبير!

 هذا التعبير رسخ في العقل الباطن لدى الصبي، حتى أصبح عنده مع مرور الوقت مفهوما للتحدي ومسارعة الإنجاز.

 ولكن متى ظهر هذا المفهوم وأصبح قابلا للتطبيق؟

 بعد سنوات في الحياة المهنية، والتنقل في مواقع عمل ومسؤوليات مختلفة ومتعددة، وجد المدير لدى مرؤوسيه - وهو يتولى إحدى المهام - شيئا من التقاعس وعدم الالتزام بالجدول الزمني للأعمال والتكليفات، خاصة مع بعض المشروعات والأعمال ذات التوقيت المحدد الذي يفرض حدا زمنيا فاصلا لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال. ولاحظ أن السبب في ذلك يرجع في الغالب إلى تواضع مستوى بعض الموظفين وعدم وعيهم بقيمة الوقت رغم الحماسة البادية عليهم عند مناقشة العمل. ففكر في أن يجرب أسلوبا لتغيير وتطوير مفاهيم بعض زملائه حول إدارة الوقت.

 وذات اجتماع رسم المدير على السبورة خطا يمثل الجدول الزمني لأحد المشروعات، وجعل الخط منحنيا من طرف ومستقيما من الطرف الآخر، أي جزءا من شكل بيضاوي مقارب لشكل مضمار سباق الخيل. وبدأ يشرح أهمية الالتزام بالمدى الزمني للعمل المستهدف إنجازه في تاريخ محدد، وقال وهو يشير إلى مرحلة معينة في المشروع إن هذا الجزء من وقت العمل، ويمثل المرحلة ما قبل الأخيرة، هو بمثابة "المنعطف الأخير" لسير العمل. وقبل أن تعلو الدهشة أو يسود الاستغراب وجوه الحاضرين، ذكر لهم حكايته في صباه مع هذه العبارة وهو يتابع سباقات الخيل، وكيف أن المنعطف الأخير يعدّ المرحلة الحاسمة والفرصة الأخيرة للمتسابقين لشد العزم قبل بلوغ النهاية وظهور النتيجة.

 والمنعطف الأخير في مفهوم هذا المدير، وهو يشرح لزملائه فلسفته في إدارة الوقت، هو الفرصة الأخيرة لتعويض أي تأخير حصل منذ بداية العمل، وهو عنق الزجاجة لتجاوز أي صعوبات أو عوائق قبل أن يبلغ العمل مرحلة الخط المستقيم. والخط المستقيم في هذه الحال يحتمل أحد أمرين:

 إما أن يكون المسار في هذا الخط المستقيم سلسا وانسيابيا والعمل في مراحله الأخيرة، وهذا من ثمار استثمار الوقت منذ البداية والالتزام بخطة العمل وجدوله الزمني دون تسويف ولا إبطاء. وهذا يعني ضمان النتيجة الإيجابية وتحقق الهدف النهائي والبعيد.. الفوز!

 وإما أن يكون المسار في الخط المستقيم حرجا وساخنا لتدارك ما فات في حدود ما تبقى من الوقت، فبعد تجاوز المنعطف الأخير والسير في الخط المستقيم ليس هناك مجال للتوقف أو التصحيح أو الاستدراك، لا خيارات ولا بدائل، الشيء الوحيد بل الأوحد هو المضي قدما نحو خط النهاية. وهذا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة طيبة، أي إتمام العمل ولكن مع بعض الملاحظات أو السلبيات، وهذا يعني بلوغ خط النهاية ولكن من دون إحراز المركز الأول.

 وإذا كان من شأن البشر أن يتعثر بعضهم في أول الطريق أو في منتصف المشوار، فكم من شخص أو مشروع أو عمل تساقط عند المنعطف الأخير أو انحرف وخرج من المسار لعدم الثبات أو نفاد الجهد أو ضياع الطاقة.

 تذكروا المنعطف الأخير مثلما تذكره هذا الصبي ذات اجتماع بعد أن أصبح مديرا !

 وكم من منعطف قصرْنا عن بلوغه، أو توقفنا عنده، أو نجحنا في تجاوزه.

 في حياتنا هناك منعطفات أولى، ومنعطفات وسطى، ولكن هناك - دائما - منعطفا أخيرا.. واحدا !

 لا أعني المنعطف الأخير قبل وداع هذه الحياة الدنيا، فكثيرا ما لا نعلم عنه لأن الحياة والممات من شأن الخالق المولى. لكني أعني المنعطف الأخير في شأن من شؤون الحياة: دراسة، عمل، زواج، تربية، مشروع، رحلة، حالة من الحالات..

 

وقد يسأل سائل: وكيف أعرف هذا المنعطف، فضلا عن كونه الأخير؟!

 الجواب ليس سهلا كالسؤال! ولكنها حياتك، وأنت أدرى بمنعطفاتها ! ربما تحديد المسار يساعد، ربما وضع خطة مسبقة أو تصور، أو ملاحظة المسار وتتبع مراحله في ذهنك..

 تأملوا منعطفات الحياة وتفكروا في منحنيات الأعمار..

 لعلي توصلت معكم ووصلت بكم إلى شيء من "فن التفكير" !

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فن التفكير, كتابات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “المنعطف الأخير!”

  1. السلام عليكم ورحمةا لله وبركاته،،

    احتاج الى فنجن قهوة! لاستمتع بمقالك….

    اهلا بعودتك الى المدة واتمنى ان تكون نفضة الغبار …لا رجعة فيها

    ساعود للتعليق بعد القراءة المتأنية…

  2. :)
    كحماس الجموع المحتشدة لمتابعة سباق الخيل، وقفت لأتابع كلمات ” المنعطف الأخير “، غير أن ” مكتوب ” كان المعلق هذه المرة، وليس ياسين!

    فلسفة جديرة بالاهتمام، لأنها عرضت في الوقت المناسب تماماً، خصوصاً للطلاب الذي اقتربوا من المنعطف الأخير لهذا العام الدراسي.

    ” الخط المستقيم ” استثار هذا المصطلح اهتمامي أكثر من المنعطف الأخير، لأن هذا الخط له الدور الكبير في تحديد مدى حرج ذلك المنعطف، المنعطف الذي لطالما كان موعد يقظة المغامرين، وبالتحديد المغامرين الهواة، وليس المحترفين!

    هل بإمكان المغامر الهاوي أن يكون محترفاً؟

    أظن أن الإجابة ستكون أيضاً في مضمار سباق الخيل..

    * فنجان شاي * مرحباً بعودتك!

  3. المنعطـــف الأخير ..

    كلمة ..//

    أثارت تفكير عميـــــق بداخلــي ..

    شكرا .. على هذا الطــرح المميــز ..

  4. سلام الله عليك صديقي,
    أولا سعيد انا برشقات فنجان الشاي لديك من جديد
    ,هل تصدق انه بسبب الجفى استلزمتني قبل التعليق بضع لحظات لاستذكار اسم المستخدم خاصتي و كلمة السر :)
    لدي اهتمام مثلك بالخيل و سباقاتها منذ الصغر و استمتع كثيرا برؤيتها و ملاطفتها, لدرجة انها سيطرت على اسم مؤسستي

    المهم جميل ان المنعطف الاخير رسخ في ذاكرة ذاك الصبي, ليحفز فيه و فينا التفكير و ادارة ذواتنا بشكل افضل
    واضيف ربما من الافضل الاستعداد و التخطيط جيدا قبل البدء حتى لا يكون المنعطف الاخير مرهقا بكل نتائجه سواء الحظوة باحد المراكز الاولى او نكون اخر القائمة

    كل التقدير…وليد

  5. المنعطف الأخير!!!

    أفهمه .. أنه لا زال هناك فرصة أخيرة للبذل والعطاء والاجتهاد لمن قصر أو تقاعس

    وكما أنك مدير واتخذت هذا الأسلوب مع موظفيك..أراه أيضا أسلوب تربوي راقي يفضل أن نستخدمه مع ذواتنا فيهي أحق بالتقدير والاحترام والرحمة ، ومع من نتعامل معهم صغروا أو كبروا

    بوركت…

  6. سلام لك .. والمنعطف الأخير كحسن الخاتمة .. اللهم هب لنا حسن الخاتمة
    وعيد سعيد على كل الأحرار ومن يرفضون القمع والإستبداد والمتاجره بأحلامهم
    عيد سعيد على خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر
    ونتمنى أن يأتى عيد نحياه يعود فيه المهجرون لأرضهم ونرى الأقصى محرراً من يد الأوغاد
    تحياتى لك
    وعيد سعيد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر